Saturday, November 5, 2016

الفصل الثاني عشر

صاحب السمو

يا لها من ليلة! كان علي أن أحارب جميع رغباتي كي أسحب نفسي من مكاني، كي أبعد نفسي بعيدًا عن أنفساه، كلماته، ونظراته. لم يكن من الصعب علي أن أعرفه بعد أن افتضح أمره بكلامه عن الأرواح. لا يتكلم بهذا الكلام إلا هو..لم أقابل في حياتي شخص يتكلم عن الأرواح كما يتكلم هو. صحيح أننا افترقنا صغارًا لم نتجاوز السابعة ولكن التواصل بيننا استمر إلى السادسة عشر أو بعدها بسنة..كان دائمًا معجبًا بالأرواح وكان دائم القراءة عنها. كان دائما يقص علي قصصا عن أناس ماتوا ثم التقت أرواحهم وكيف يمكن أن تلتقي أرواح الأحياء بالأموات، وكان يقول لي أنه بجانب حلمه في العمل مع المافيا سيكون عالم أرواح. كنت أحبه وأشعر بحبه يملأ كياني حتى وإن كنت أمازحه قائلة “وهل هناك في هذا العالم وظيفة اسمها عالم أرواح؟!”. أتذكر جيدًا تلك الفترة التي انقطعت عني فيها أخباره..كدت أجن! شعرت كأني نمر يدور في قفصه بين جدران أربع بلا حيلة. كنا نرسل لبعضنا على الأقل رسالة كل يوم وكان دائمًا يعدني أننا سنتقابل، أنه سيعود لي حتى وإن كان ذلك آخر شيء يفعله في حياته. وفي يوم وهكذا وبلا أي مقدمات اختفى! لا رسائل ولا تغريدات ولا أي شيء يدل على أنه مازال على قيد الحياة. خفت عليه، غلبني القلق، حاولت أن أبرر اختفائه، أن أجد سببا مقنعًا. قرأت رسائله القديمة، كل ما كتبه على مواقع التواصل لعلي أستشف من كلامه أي شيء. لا شيء..لم أفهم شيء. كرهته وقتها وكرهت نفسي وكرهت كل رسائلي التي أرسلتها له أترجاه فيها أن يرد ولو بكلمة. بكيت أيامها إلى أن جفت دموعي..حزنت حتى شاخ قلبي. بعدها قررت أن لا أسمح لنفسي أن أحب، أن أبني جدارًا حول قلبي، أن لا أضعف مرة ثانية أبدًا، أن أنساه..ولكنه عاد.

علي أن أستجمع شتات نفسي! فجدولي اليوم مليء ولا يسمح أن أكون مشتتة الذهن. سأتناسى وجود عمر وسأتغافل ولو لحين عن محاولة إقراره عن سبب وجوده في غرفة ملابسي. أعرف أن هناك سر وأعرف أنه يعرف أنني لم أصدقه عندما قال لي أنه جاء لقضاء مهمة ليس لها علاقة بي. وأعرف أنه يعرف أنني لن أرضى بذلك الجواب.  هذا يكفي! علي أن أركز في مهام يومي! فاليوم لدي موعد مع الأمير حسن ثم لقائي الشهري مع صديقاتي. سأذهب إلى المكتب بعد أن أجري، عندي موعد مع عميلة الساعة الثامنة والنصف، ثم لقاء صحفي مع قناة لا أذكر اسمها الساعة العاشرة، ثم موعدي مع مصففة شعري الساعة الحادية عشر والربع. وخلال موعدي سأراجع ملاحظاتي على الكتاب الذي سنناقشه الليلة. أحببت كتاب هذا الشهر كثيرًا، لم يكن ككتاب الشهر الماضي الذي لم أستطع تكملته حيث كنت أغصب نفسي على قراءته ثم قررت أخيرًا أن أتوقف عن قراءته وضربت به عرض الحائط! 

الساعة الثانية عشر والنصف، عندي ساعة لكي أرجع البيت، أصلي، وأرتدي ملابسي ثم أتوجه إلى القصر. لا أستطيع أن أنكر أنني أحب صحبة الأمير حسن وأظنه يبادلني نفس الشعور. ماذا سأرتدي اليوم؟ آخر مرة ارتديت فستاني الأسود ومع أنه أعجب به إلا أنه قال لي أنه لا يحب أن يراني باللون الأسود. هل أرتدي الأسود مرة أخرى؟ ابتسامة ارتسمت على شفتاي وأنا أفكر في ردة فعله. سأرتدي طقمي الأسود والذي يسري فيه اللون الزيتي..ليحب ما يحب سأرتدي ما يحلو لي. 

هيام
صاحب السمو
أيجب أن نبدأ في كل مرة من جديد وكأننا أغراب؟
وهل تعرفني يا سيدي؟
تعالي واجلسي بجانبي كي أتعرف للمرة المليون على أكثر امرأة مجنونة في هذه الحياة
أراك تحب الجنون يا سيدي
بل أعشقه..ولكن لماذا تلبس أميرتي هذا اللون الداكن؟
ألا يعجبك؟
لا أحب الألوان الداكنة ولكن هذا القميص يجعل عيناك تبرقان
هي تبرق لأنها سعيدة
كيف حال أميرتي؟
بخير طالما أنت بخير
هيا، لتحكي لي أميرتي عن أخبارها
وهل قالوا لك أن اسمي شهرزاد؟
لماذا تحبين أن تتعبيني معك يا مجنونتي؟
هههههههههه
ضحكتك سيمفونية أذني
حسنًا كفانا من المقدمات
هكذا تغيرين الموضوع فجأة؟
نعم، هكذا..
كما تشائين. كيف هو أسيرنا؟


Friday, October 21, 2016

الفصل الحادي عشر

لماذا؟


كدت أُجن عندما استوعبت جملتها..”هل يمكن أن تحكي لي قصة؟”!! لا، لا يمكن أن تكون هيام هذه هي هيومتي فتاتي التي عشقتها في طفولتي! لا تكوني هي أرجوكِ! هل يمكن أن تحكي لي قصة..تلك كانت طريقتها في محاولة إخراج نفسها من عالمها، في محاولة الترويح عن نفسها، في محاولة إبعاد القلق والخوف عن تفكيرها. تلك هي نفس الكلمات التي استخدمتها عندما شبّ حريق في مدرستنا. انتظرنا أمام المدرسة إلى أن يخرج جميع الطلاب ورأينا مدرستنا وهي تتحول من أعظم مكان رأيناه في حياتنا إلى حطام وكأن شيئًا لم يكن. في تلك اللحظات شدّت هيام على يدي وأجلستني بجانبها على الأرض حيث وضعت رأسها على صدري ثم نظرت بعينيها المليئة بالدموع إلى عيني وقالت “هل يمكن أن تحكي لي قصة؟” فكرت سريعًا يومها لأني كنت خائفًا مثلها ولكن كان علي أن أطمئنها أن أفعل المستحيل من أجلها، فبدأت بسرد قصة. لا أذكر ماذا قلت لها ولا كيف خرجت الكلمات من فمي ولكن أذكر أن شفتاي كانتا تتحركان وعيانانا تشهدان تآكل ذكريات طفولتنا. لا تكوني هيومتي أرجوكِ! 
وها هي الأيام تجمعنا ثانية يا هيام..استجاب الله دعائي بعد كل هذه السنين..سنين وأنا أدعو أن يجمعني الله بك ثم سنين بعدها بعد أن تملكني اليأس أصبحت أدعي أن أراك ولو من بعيد ثم بعد ذلك توقفت عن الدعاء وأبعدتك من حياتي وأخرجتك من قلبي ومن ابتهالاتي لعلني أنساك..وفعلًا تناسيتك وتناسيت حواراتنا، أحلامنا، والساعات التي كنا نقضيها معًا. وها أنت اليوم كما كنت طفلة صغيرة خائفة تريد أن تهرب من عالمها إلى عالم أنسجه لها..كم أشعر الآن أنك تلك الطفلة وأنت تجلسين بجانبي هنا في دولابك. كيف لم أعرفك من قبل؟ أم أنني تجاهلت شكوكي عندما قرأت اسمك في أوراق المهمة ثم عندما رأيتك لأول مرة وأنت تخرجين من بيتك؟ أم أنني كذبت حدسي عندما شعرت بروحك ليلة البارحة؟ وأنتِ هيام، ألم تعرفيني؟ لا ألومك إن لم تتعرفي علي، فقد غيرت الحياة من ملامح وجهي ورسم الزمن خطوطه عليه. 
كان يا مكان في قديم الزمان..هكذا بدأت مع أني متيقن أنها تكره هذه البداية
لا تبدأ بهذه البداية لا أحبها!
هي هيومتي فعلا تلك المتمردة..لماذا أنت هي؟؟
حسنًا..لم تكن هذه القصة في أي مكان ولم تكن في أي زمان
توقف!
ماذا؟
لماذا أنت في دولابي يا عمَري؟
إلتقت أعيننا ورأيت سيلًا من الدموع ينحدر من أجمل عينين رأيتهما في حياتي..
لا تبكي يا هيومة قلبي..كم مرة قلت لك أن تلك الدموع لآلئ عليك أن تحتفظي بها.
ظننت أني نسيتك وحسبتك نسيتني
كنت أحاول
أنا أيضًا..عمر
نعم

لماذا أنت هنا؟

Saturday, June 4, 2016

الفصل العاشر


الأرض

سأشعر، سأتكلم، سأقابل وسأفعل ما يحلو لي رغم أنف الجميع! كيف نشأنا بهذا الكم من الإستعباد! أشعر أحيانًا كثيرة أني أختنق بالحركة البطيئة..أشعر للحظات بأن حلقي لم يعد قادرًا على إدخال الهواء الكافي لرئتاي. يا له من إحساس فظيع. عندما يأتيني هذا الإحساس أتحرك سريعًا، أفعل أي شيء لألهي نفسي عن هذا الإحساس القاتل. أأخاف من الموت؟ لا أظن فقد واجهته مرتين شخصيًّا ومرة عندما توفت والدتي بين يدي. فلماذا إذن يضايقني إحساس الإختناق؟ أهو رد فعل تلقائي لأي بشر على وجه الأرض؟ “وجه الأرض” يا له من تعبير، أللأرض وجه؟ أين هو؟ أريد أن أراه، أريد أن أنظر في عينيها لأرى ما تلك النظرة التي ترمقنا بها. أهي نظرة ساخرة؟ أتعلو على شفتيك أيتها الأرض ابتسامة صفراء بصفار الفكرة التي تدور في رأسك بأننا كلنا شئنا أم أبينا نهايتنا تحت ترابك؟ يا لقسوتك! أم أنك أمًّا حنونة تنتظر صغارها لتحتضنهم وتهبهم حياة أفضل من تلك التي عاشوها؟ ما الذي أفعله؟؟ هل أتحدث فعلًا مع الأرض؟ يبدو أنني جننت! لن ألقي لوم جنوني على المجتمع اللعين ولا على أمي التي تركتني وأنا في أمس الحاجة إليها ولا على أبي وأصدقائه السكارى..سألقي كل لومي على الموت الذي لم يأخذني عندما أخذ والدتي. يا ليته قد فعل..كم أحتاج إليك يا عماد في هذه اللحظة، لماذا لم يدق هاتفي اللعين بقدوم رسالة أو مكالمة أو أي شيء! أم أنني أحتاج إلى أسامة، أم فادي، أم أحمد، أم همممم ماذا كان اسمه..آه تامر. أحتاج مهلة للتفكير في من الذي سيعطيني ما أحتاج إليه الآن، شخص يرد سريعًا على رسائلي ومكالماتي، شخص يسمع أكثر، يحاول أن يتفهم، ولا يمطرني بنصائحه الحمقاء. فادي، نعم، فادي من سيقوم بالمهمة على أكمل وجه. سأكلمه وألقي عليه كل ما بداخلي وسيسمعني ويطمئنني ولن يضايقني بالإفصاح عن رغباته نحوي. 
ألو
يا هلا والله بالغالية
لن تتخيل كم أنا محتاجة للتحدث معك
أعرف، أنت دائما تكلمينني عندما تحتاجين لأن تفضفضي. تستغلينني أسوأ استغلال دائمًا وأبدًا.. ولكنك تعرفين أن ذلك لا يضايقني بل يكفيني أن أسمع كلامك. أنت تعرفين كم أحب سماعه.
أرجوك لا تبدأ!
حسنًا حسنًا لن أتفوه بأي كلمة غزلية باقي المكالمة..ما بك؟ هيا حدثيني..
لا أعرف يا فادي ما بي..متضايقة من كل شيء ومن لا شيء! 
ابدئي إذن بأكثر شيء يضايقك
همممم..الأرض
الأرض؟؟؟
نعم، لم أعد أحبها
حسنا وماذا أيضًا؟
لا أحب حياتي، ولا أحب والدي، ولا أحب كل الرجال في حياتي
حتى أنا؟
حتى أنت
أخبريني ماذا تحبين؟
لم أنتهِ بعد
حسنًا أكملي
أكره كوني على مشارف الثلاثين ولم أتزوج بعد ولم أكوّن عائلة ولم أصبح أمًّا..هل سأصبح أمًّا في يوم من الأيام؟ ما الذي يميز فلانة وفلانة المتزوجات عني؟أهو الحظ أم النصيب اللعين؟ أعرف أن علي أن أنظر إلى الجانب الإيجابي. أعرف أن علي أن أحمد الله أن هناك سقف فوق رأسي، أن لدي عمل أحبه، وأنني بصحتي وعافيتي..أعرف ذلك كله ولكني أحيانا أشعر أني مخنوقة، سجينة لمشاعر مجنونة بداخلي لا أستطيع أن أحدد كنهها. يبدو أنني فعلا جننت..لم لا تعطيني بعضًا من الحشيش الذي وعدتني به؟
أعطيتك هو وأنت من رفضتيه
رفضته لأنك لم ترد أن تشاركني فيه!
كان عندي دوام يا إيناس بعدها بساعتين..
لا يهم الآن..
إيناس
نعم
أخبريني ماذا تحبين
أحب وجودك في حياتي...فادي، شكرا
لا تشكريني على شيء أستمتع بفعله.




Thursday, April 7, 2016

الفصل التاسع

قمري


بعد اجتماع طويل مع حامد امتد حوالي الثلاث ساعات، شرح لي فيه عن قوائم الشهر الماضي وحلل ما يجب تحليله وتنبأ بما يتحتم عليه أن يتنبأ به ونصح بما رأى أن على الشركة أن تقوم به، نظر إلي نظرة طويلة ثم قال لي “ألم يلن قلبك بعد؟” نظرت إليه مشفقة على قلبه المسكين وأنهيت الحوار والإجتماع بنفس الجملة ونفس الجواب لذاك السؤال الذي لا يفتر عن سؤاله “لا، يا حامد، ولن يلين .”

رجعت إلى البيت ورأسي يكاد ينفجر من الصداع. لا أحب أن آخذ المسكنات، سيذهب الصداع في حاله، علي فقط أن أتجاهله. بعد أن دخلت مباشرة رجع الأولاد من المدرسة وبعدهم بقليل وصل زوجي. جلسنا في الصالة كي نتبادل الأخبار وليحكي كل واحد عن يومه. بدأ الأولاد بالشكوى اليومية من المدرسين والمدرسات. في بعض الأحيان أشعر أن الحق مع المعلم ولكن في أحيان أخرى أستغرب من تصرفات المدرسين. لا أدري هل السبب في أولادنا، في الإدارة، في تربية المعلم، أم ضغوطات العمل؟ أيًّا كان السبب، هناك تصرفات تصدر من المعلمين غير مقبولة على جميع الأصعدة! أتمنى أن أخرج أولادي من هذه المدارس التي بزعمهم تنمي تفكيرهم وقدراتهم التحليلية وأرجعهم ثلاثون عامًا إلى الوراء كي أدخلهم مدارسنا التي لم تكن تخلو أيضًا من ضغوط المعلمين النفسية على الطلاب. ما العمل إذن؟ نرسلهم الأزهر وندخلهم الكتاب؟؟ آخ يا رأسي..

بعد أن خلد الجميع للنوم أحسست أنني أحتاج أن أذهب إلى مخدعي. دخلت غرفة ملابسي، أدخلت الرقم السري، ثم تمددت على كرسيي الذي تحول فورًا إلى سرير هلامي احتضن كل جزء من جسدي. أقفلت عيناي ثم فتحتهما لأرى القمر يطل علي من السقف الزجاجي. ما أجمله! أتشعر بي، أتريد أن تطمئن علي؟ طالما شعرت أن هناك ما يربطني بالقمر، هو فعلا صديق عزيز..ربي وربك الله يا قمري الحبيب..كم أحب تلك الجملة. ثم جاءني كتاب يمشي على استحياء، نظرت إلى غلافه “ذكريات تطاردني” لا لا آسفة لا أشعر أنني أريد أن أقرأ عن ذكريات وماضي ومطاردات. ثم جاء آخر “تعال أعيشك”، ثم آخر “لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة”، “هيبتا”، “مادونا صاحبة معطف الفرو”..ما الأمر يا كتبي؟ عادة تستشفين ما أريد قراءته ولكن يبدو أنني نفسي لا أعرف ما الذي أريده. ثم ظهر لي كتاب “شوق درويش” ولم يقف حائرًا بل بدأ بالقراءة..ما أجمل استخدام الكاتب للكلمات..(نعم، سيتعلم الحرية..)، (احتضنها بعينيه وأغمضهما عليها..)، (لقد حدد لمهمته وقتًا مدته الأبد..). ثم كيف وصف اشمئزاز رجلًا سوداني من جسد إمرأة بجلدها الأبيض الذي تعلوه حمرة وكيف أنه كان يشم له رائحة صدئة. كان وصفه غريب لم أسمع مثله قط. الحب، الحرب، الحرية، السجن، الفقد، القتل، الغربة، العنصرية كل هذه المعاني تطرق إليها الكاتب..ولكني لم أستطع أن أكمل الكتاب. أشرت بيدي أن ذلك يكفي فنزل الكتاب وهبط على مكتبي. آسفة يا كتابي العزيز ولكني اليوم أريد شيئًا آخر. قمت وتوجهت إلى المخرج، أدخلت رقم الخروج وتوجهت كالشخص المنوم الذي تحركه قوى خفية إلى دولاب ملابس نومي..
هل لي أن أجلس معك؟
بالطبع، تفضلي
(دخلت وجلست بجانب ذلك الرجل الغريب الذي يقبع بين ملابسي)
فترة من الصمت..
هل يمكن أن أطلب منك طلب؟
لا داعي للإستئذان، اطلبي ما تشائين
هل يمكن أن تحكي لي قصة؟
بالطبع يمكن.

Thursday, March 31, 2016

الفصل الثامن


منقذنا


أحب أن أقرأ الجريدة كل يوم صباحًا مع إريكا. إريكا من لاتفيا تزوجت من شاب سعودي خلال ابتعاثها إلى أمريكا لعمل الماجستير في إدارة الأعمال. قابلت زوجها، أحبته، وتزوجته ثم انتقلا إلى السعودية بعد أن أكملا دراستهما. هي لا تعرف إلى اليوم لماذا أحبته وكيف تزوجته! لقد كانت على يقين طوال معرفتها به أنه كان يقيم علاقات مع غيرها وأنه غير مسؤول وكسول ويهتم بالمظاهر ولكن لسبب ما أحبته..تظن أحيانًا أن فقدها لوالدها في طفولتها قد يكون السبب، قد تكون قد وجدت فيه حنان الأب أو قد يكون ملأ بداخلها فراغًا كان من المفروض أن يملأه حب الوالد. انتقلت إلى جدة وتحملت في سبيل الحب الكثير. ولكن بعد ٧ سنوات من الصبر شعرت أنها تدور في دوامة من التعاسة تخنقها، خاصة بعدما تغير زوجها وأصبحت تشعر أنها شيء من أشيائه، شيء بلا قيمة. كان من السهل عليها أن لا تعود إلى جدة بعد تمضية إحدى الإجازات في بلدها ولكن...كان هناك ابنتها البالغة من العمر خمس سنوات. هي تعرف حتمًا أن زوجها لن يبقيها معها، وهي لا تستطيع أن تحتمل فكرة بعدها عن ابنتها. وبعدما خرجت من فترة اكتئابها قررت أن تعمل كي تمتلك المال الكافي لشراء منزل في لاتفيا. كانت هذه خطتها، ستشتري منزلًا ثم تأخذ ابنتها وستعيشان هناك ولا يهم ماذا سيحدث بعد ذلك. ولكن، أولا، المال..

قدمت إريكا أوراقها للشركة وفي الحال تم تعيينها. أعجبني فيها قدرتها على الإقناع، ذكائها التّجاري، وابتسامتها الجميلة. وفي الحال أصبحت ساعدي الأيمن. لماذا أقرأ معها الصّحف؟ يعجبني تحليلها، نظرتها للأمور، نقاشها، وأخيرًا شغفها لتعلم المزيد من اللغة العربية. دخل علينا حامد في ذلك الصباح تعلو وجهه نظرة قلقة. هذه النظرة أعرفها..لا يا حامد ليس هذه النظرة، قلت في نفسي. حامد محاسب الشركة ومستشارها المالي، جاء إلى الشركة ونحن في أمس الحاجة إليه. حساباتنا كانت مبعثرة وكنت أحتاج لشخص يرتب لنا الحسابات ويتحمل غبائي المحاسبي. نعم، وأخيرًا اعترفت بإحدى نقاط ضعفي. ليست الرياضيات هي المشكلة فأنا أحبها جدًّا وكنت متفوقة جدا فيها وليت المحاسبة عبارة عن رياضيات فقط..لا أحب جداول المصروفات والإيرادات وكل ملحقاتها، أشعر بها تطبق على صدري، كما يمتنع مخي عن استيعابها. عمومًا جاء حامد وأنقذ الشركة أو دعوني أقول حدّ من مصروفاتنا التي لا داعي لها ورتب أولوياتنا بطريقة محاسبية بارعة! لا أستطيع أن أصف انبهاري بعمله في الشهور الأولى..مازال يبهرني ولكن في البداية كانت درجة انبهاري دليلا قاطعًا على افتقاري لأي مهارة محاسبية ضئيلة.
حامد: صباح الخير
صباح الفل يا حامد، مالك زعلان ليه؟ (يقلب لساني مصري مع حامد)
حامد: الفعالية اللي حضرتك عملتيها جابتنا لورا
حقيقي، إزاي؟ (أحب أن أستفزه)
حامد: ماهو إنتِ لو سمعتي كلامي من الأول مكنش حصل اللي حصل
إزاي بقى يا حامد؟ أنا مشيت على أوامرك بالملّي (حامد بدأ يُستفز)
حامد: الحسابات أهي قدامك، تحبي أراجعها معاك إمتى؟
نراجعها بعد الغداء، إيه رأيك؟
حامد: أوامرك.. تؤمريني بحاجة؟
سلامتك يا حامد، مع السلامة

بعد خروج حامد نظرت إريكا إليّ تعلو وجهها ابتسامة خبيثة
لا تعذبي المسكين!

لماذا إريكا؟ هو يحب ذلك..