المهمة الأولى
وعاد بي الزمن إلى الوراء. إلى العام السابع من عمري عندما عادت بنا أمنا باكية إلى روسيا. ثم عاد بي الزمن إلى ما قبل ذلك بقليل، إلى جلسات أبي في بهو بيتنا في جدة حيث كنت أرى الرجال وهم يتوافدون وكأن على رؤوسهم الطير. لا أذكر كم كان عددهم ولكني كنت أشعر أنهم كانوا يأتون وفودًا وأفواجًا. كانوا أشكالاً وألوانًا منهم الصغير الذي يمسك بطرف ثوب أبيه ومنهم الشيخ الذي يتكئ على عصاه، منهم الملتحي ومنهم من أطال شعره. كان والدي فاتحًا جلساته هذه للجميع فهو على كلامه لا يستطيع أن يمنع مدد الله عن أحد. كان الكل يجلس في دائرة كبيرة ثم يسود السكون وبعد ذلك تبدأ التمتمات. لم أكن أحب أن أردد معهم ولكني كنت أشعر بشيء في الهواء. كنت أشعر أن الهواء يسكن ويثقل ويحيط بجسدي الصغير ثم يضمني ويرفعني. إحساس غريب ذلك الذي كنت أشعر به. أكانت تلك الملائكة تلفني، أم أن تلك الرحمات تتغمدني، أم أنها الأرواح قد علت وتقابلت؟ لا أدري..
ولكن المثير حقًا هو ذلك الإحساس الذي ملأني عندما اقتربتْ من الدولاب هذا المساء. فقد شعرت بذلك الهواء الذي كان يملؤ بيتنا يحيط بي ويرفعني. شعرت بروح تقترب من روحي، حقيقة شعرت بها. روح يملؤها الجمال، الشفافية، وال...حدة! غريب ذلك الخليط. اقتربت روحها مني وحملتني، أخذتني إلى أيامي في الهند عندما وجدت ربي. كيف لروح كهذه ترجعني إلى طفولتي حيث النقاء والبداية ثم تأخذني إلى حيث ولدت من جديد؟! من هذه المرأة التي تحمل روح كهذه قادرة على فعل ذلك بروحي، وكيف وجدت روحي والتقتها؟ ثم وجدت نفسي أتساءل عن شريك حياتها..هل التقت أرواحهما؟ وإن كانت، هل تستطيع الروح أن تلتقي بعدد من الأرواح في وقت واحد أم أن لكل روح روح؟ وهل فعلا وجدت ضالتي؟ هل وجدت تلك الروح التي ستصل بي إليه؟
بعد تلك الدقائق المعدودة التي تحدثنا فيها نفضت عن تفكيري حديث الأرواح، فأنا هنا لإتمام مهمة ولن أسمح لأي شيء أن يعترض طريقي.
اليوم الثاني: السابع من نوفمبر ٢٠١٤
الساعة: الواحدة بعد منتصف الليل
لم تقترب هـ.ج.ع طيلة النهار من غرفة ملابسها ثم دخلت الغرفة الساعة الحادية عشر وسبع وأربعون دقيقة حيث اقتربت من موقعي ثم ابتعدت لتختفي أصوات أقدامها في ظروف غامضة لتظهر مجددًا بعد ساعة. قامت بعد ذلك هـ.ج.ع بفتح الدولاب الذي أجلس فيه وقامت بإعطائي قطعة من الكيك ثم ذهبت. في اليومين السابقين تمكنت من جعلها تتقبل وجودي وبهذا نكون قد انتهينا من المهمة الأولى. تبدأ المهمة الثانية السابع من نوفمبر في تمام الساعة التاسعة والنصف صباحًا.
ضغطت على زر الإرسال وأنا أفكر في مهمتي غدًا..أففف كيف لي أن أفكر بوضوح ورائحتها تنفذ إلي من خلال ملابسها وتحيطني من كل مكان..هل أسمع صوت وقع خطواتها؟ نظرت إلي وقالت..
أردت فقط أن أجاوب على سؤالك..
فقط؟
وما الذي يمكن أن أريده غير ذلك؟
قد تريدين أن تتمتعي بصحبتي؟
لقد زادتك جلستك في دولابي غرورًا
أنا أقرأ أفكارك فقط.
لم أشعر أن روحي إلتقت بروحه، كان فقط إلتقاء أجساد.
ثم أقفلت الدولاب.