Thursday, October 30, 2014

الفصل السادس


وقدمت إليه

وجدت نفسي أمامه هكذا بلا مقدمات. وجدت نفسي أقف أمام مكتبه. لماذا فعلت ذلك، لماذا تجرأت وذهبت إليه؟ لا أدري ولكن كان علي أن أراه، أن أشعر بوجوده حقيقة أمامي. أردت أن أتأكد من هذا الشخص الذي طالما تكلمت معه ليالي وساعات. أردت أن أتأكد إن كان هو كما هو، كما يبدو حنونًا من خلال كلامه..وقفت أمامه فوقف بسرعة في حين خرج من كان معه من الغرفة وكأنهم اعتادوا على إخلاء المكان لبعضهم عندما يأتي زائر لأحدهم. قال لي أن أتفضل بالجلوس وسألني إن كنت أريد أن أشرب شيئًا. حسنًا كل الرجال يفعلون ذلك، لا شيء جديد إلى الآن. ثم قال لي كيف يمكن أن يخدمني. كان يكلمني برسمية مع أن صوته كان يحمل القليل من الحنان. لم أعرف كيف أجاوبه، أأقول له أني أريد أن أرتمي في حضنه، أني أريد أن أستنشقه، أني تعبت من كل الرجال في حياتي وأريده هو فقط؟ لماذا ينظر إلي هكذا، أمعقول أنه لم يعرفني؟ يبدو أنه لم يعرفني! ولكني لا أستطيع أن ألومه فقط غطت نظارتي السوداء نصف وجهي، وطرحتي وعبايتي لم يساعداه أيضًا.

قررت أن أتكلم عساه أن يميز صوتي. “عماد، ألم تعرفني؟” رأيت عيناه تتسعان ثم وقف مسرعًا وكأن عقربًا لدغه. اقترب مني وأزاح نظارتي من على وجهي ونظر في عيناي وكأنه الصقر سينقض على فريسته! لم أفهم ما الذي يحدث وشعرت للحظة وكأن الدماء قد تجمدت في عروقي. حاولت أن أستشف مشاعره أهو غاضب أم متفاجئ؟ لم أستطع أن أقرأ عيناه. شعرت بالخوف يتملكني وهو قريب مني هكذا يخترق بعيناه عيناي. كان يجب علي أن لا آتي فأي عقل جاء بي إلى هنا. ثم تذكرت أن عقلي لا علاقة له بالموضوع، هو قلبي الذي طالما حاولت أن أحاربه. 
فجأة جثى أمامي على ركبتيه، وضع يداه على ركبتاي وأحنى رأسه ثم رأيت ما لم يخطر بي على بال..رأيت جسده يهتز. إنه يبكي! شعرت بفيض من الحنان يملؤني، بأنهار من الحب تسري في جسدي. مددت يداي ولمست ذقنه الذي يبدو وكأنه لم يحلقه من أسبوع. رفعت رأسه لأجد عيناه وقد امتلأت بالدموع.
“آسف، لم..”
“شششش، لا تعتذر يا عماد.”
“آه، ما أجمل اسمي وهو خارج من شفتيك.”
“قم يا عماد”
“لا..أريد أن أجلس هكذا بقية عمري. أتعرفين أني دعوت اليوم ربي أن أقابلك ولو صدفة في مكان ما في هذا الكون؟ لم أكن لأتخيل أن ربي قريب لهذه الدرجة”
“وكريم، فقد ساقني إليك..ألهذا بكيت؟”
“لا، بكيت لأنني كنت ضائع بدونك، أشعر بفراغ في قلبي، لا أريد شيئًا من هذه الدنيا البغيضة..ثم أتيت لي، أجمل وأرق شيء في حياتي وجلست أمامي..كان علي أن أتأكد من أنك أنت. نظرت في عينيك وعندما وجدت ما أبحث عنه لم أستطع إلا أن أجثو على الأرض أمامك..”
“ماذا وجدت في عيناي؟”
“وجدت نفسي..”

Saturday, May 31, 2014

الفصل الخامس


الطريق إلى الله

بعد يوم مرهق كل ما أريده هو أن أختلي بنفسي. بعد أن أمضيت وقتا مع أولادي ووضعت كلًا منهم في سريره أو في غرفته على الأقل. خرجت مع زوجي لتناول العشاء مع بعض الأصدقاء. لم أكن أريد الخروج لا لأني لا أريد الخروج بل لأن هؤلاء الأصدقاء، هممم..كيف لي أن أصفهم؟ دنيويين؟ فهم لا يتكلمون إلا في أتفه المواضيع ولا يستطيعون أن يروا الأمور إلا من منظور سطحي غريب لا أستطيع أن أهضمه. الشيء الوحيد الذي يعجبني فيهم هو احترامهم للوقت. فلا يطول عشاءنا عن ساعة ونصف. الحمد لله على ذلك! عند رجوعنا إلى البيت وبعدما أسلمت جسدي لزوجي الذي أشعر في كثير من الأحيان أنه فقط ما يراه في، توجهت إلى غرفة ملابسي..

لم أدخل غرفة ملابسي منذ الصباح. كنت أتجنبها وأتجنب الشخص القابع بداخلها. ولم يكن من الصعب أن لا أدخلها حيث تضع الخادمة ملابسي النظيفة على بابها دائما ثم أقوم أنا بترتيب ملابسي في داخلها. فمن غير المسموح للخدم أن يدخلوا ويرتبوا ثيابي لأنهم لن يضعوها بالطريقة التي تعجبني حتى وإن طلبت منهم ذلك. فدائما هناك القميص الذي وضع خطأ مع البلايز والفستان الذي وضع في غير مكانه. أعرف أنه قد يبدو أني أسعى للكمال ولكن هناك أشياء لا أستطيع أن أتنازل عنها. فكنت من الصباح أرتدي من ملابسي التي في خارج غرفتي. عموما، كان علي أن أدخل غرفة ملابسي كي أهرب إلى مخدعي. كانت هادئة كعادتها. كيف يقبع ذلك الشخص في دولابي بدون حركة، صوت، أو حتى طعام! مازلت لا أصدق أنه بالفعل هنا. اقتربت من مكانه لعلي أسمع همسًا أو أشعر بحركة ما فهو وإن كان شخص غريب فهو ضيفي الذي يقبع في دولابي ويجب علي أن أتأكد على الأقل من أنه لم يمت. لا لا من الأفضل أن أتجاهله لعله يمل ويذهب من حيث أتى. 

جلست في مقعدي في منتصف الغرفة. أريد أن أحلق في سماء ربي. أريد أن أثمل بكلام يشعرني بقربه. أقفلت عيناي، واستسلمت للاختيار. جاءني الكتاب محلقًا، ووضع على حجري. فتحت عيناي وقرأت العنوان. نعم..هذا ما كنت أريد.  “الطريق إلى الله” للدكتور عبد الحليم محمود. لم أكن يومًا معتنقة للمذهب الصوفي ولكن يعجبني أن أسمع لهم، يعجبني كلامهم وتعجبني روحانيتهم. بدأت الحروف تجتمع أمامي مكونة سيمفونية رائعة من الكلمات والجمل المتناغمة. كتاب الصدق لأبي سعيد الخراز.  “كل ما فاتك-من الله سوى الله-: يسير، وكل حظ لك، سوى الله قليل” يا لها من كلمات. ثم تتشكل “ينبغي أن يكون فرحك في العطاء: بالمعطي، ولذتك في اللذات: بخالق اللذات، وتنعمك في النعم: بالمنعم دون النعم، لأن ذكر النعمة عند ذكر المنعم حجاب، ورؤية النعمة عند رؤية المنعم حجاب”.  يقول أبو سعيد: وفي الإتجاه إلى الله نعيم لا يعدله نعيم، ولذة لا تعدلها لذة. آه إنه يتكلم عن الأنس بالله، بقرب الله، بامتلاء القلب وهدوء الروح وارتقاء النفس بحب الله. ولكن كيف للمرء أن يصل إلى تلك الحالة من الشفافية؟ هكذا جال السؤال ببالي. وإذا بالجواب في الهواء أراه أمامي. إن أوائل الطريق إلى الله: التوبة. ومن مقام التوبة إلى مقام الخوف، مقام الرجاء، مقام الصالحين، مقام المريدين. المطيعين، المحبين، المشتاقين، الأولياء، ثم إلى مقام المقربين. أشتاق إلى لقياك يا ربي. لست من الصالحات ولكن أشعر بك يا ربي في قلبي. أحب أن آنس إليك وأتوق إلى لقياك.
سبيل النجاة: الإخلاص، الصبر، والصدق وهكذا استمرت الكلمات بالتدفق عن إخلاص العبد، وصدق المتقين، والخير الذي ينتظر الصابرين وعلاقتهم الرائعة ببعضهم البعض. ثم استوقفتني عبارة..قف! دعني أتأملها..”يفنى حزن كل ثكلى وحزن التائب ما يفنى!” لا أستطيع أن أتحمل المزيد. قمت فتوضأت وصليت ركعتين عسى الله أن يتقبلني ويقربني.

خرجت من مخبئي وأنا أشعر أنني في عالم غير العالم. حان الوقت لكي أخلد للنوم. ألقيت نظرة باتجاه دولاب ملابس نومي. كيف لي أن أرتدي إحداها بدون أن ألتقي به؟ ومن المحتم أيضًا أنه جائع، أظن أن عندي قطعة من كيكة ستاربكس مازالت في حقيبتي. سوف أعطيه إياها وليحمد ربه على ذلك! هل أدق عليه؟ لا أصدق نفسي!! طبعًا لن أدق، إنه في دولابي! فتحت الباب ببطء، فاجأني بصوته يسألني: هل شعرت فعلًا أنكما روحان اجتمعتا قبل اجتماع جسديكما؟
نظرت إليه باستغراب: عن من تتحدث؟
لا يهم، هل هذا الذي بيدك لي؟
نعم، ولكن..
هل يمكن أن آخذه؟ لقد كدت أموت جوعًا!
طبعًا، تفضل. هل يمكن أن أسألك عن اسمك؟
لا
من حقي أن أعرف اسمك إن كنت ستبقى في دولابي
من حقي أن أعرف ماذا كنت تفعلين قبل أن تأتي إلي
من حقي أن أعرف ماذا تريد مني!
أريد أن أصل إليه بك
ماذا تعني؟ أأنت صوفي؟؟
لا، ولكني من العاشقين
ولماذا أنا؟
لقد سبقتك روحك إلي
حقًّا؟! لا أريد أن أسمع المزيد! 
أخذت قميص نومي وهممت بإقفال الباب
انتظري!
ماذا تريد؟!
شكرًا على الكيكة
لا داعي للشكر

Tuesday, May 27, 2014

الفصل الرابع

ع.ج.م

اليوم الأول: السادس من نوفمبر ٢٠١٤
الساعة: العاشرة والنصف ليلًا
لقد تم الدخول إلى الموقع بنجاح. تم اكتشاف وجودي من قبل هـ.ج.ع الليلة الماضية. وقد تم الحديث معها اليوم الساعة الخامسة والدقيقة الثامنة والثلاثون فجرًا. هـ.ج.ع لم تتقبل وجودي بعد فهي في مرحلة الإنكار وعدم التصديق. كما أنها لم تدخل غرفة ملابسها منذ الفجر. لم تدخلها بعد رجوعها من العمل ولم تدخلها قبل أن تخلد للنوم وهذا على غير عادتها ولكنه متوقع. 
الأمور تسري وفق الخطة الموضوعة. 
على موعدنا غدًا.
ع.ج.م

عندما تم استدعائي قبل أسبوع ظننت أنهم سيلقون على عاتقي مهمة حقيقية ككل المهمات التي تعودت على القيام بها. ولم أصدق عيناي عندما قرأت عن طبيعة المهمة. فقد وقفت معترضًا وشعور المهانة يملؤني! أبعد أن كنت أرسل لأزهق الأرواح يرسلونني لأتتبع إمرأة! رفضت العرض مباشرة مع علمي أنني لا أستطيع رفض أي مهمة موكلة لي. “اجلس ع.م” كان كل ما تفوه به رئيس العمليات. جلست والحنق يتملكني. لماذا لم يقع الإختيار على ع.ف أو ع.ط فهم متعودون على مهام كهذه. جلست وأنا أعيد النظر إلى الورقة الموضوعة أمامي لعلي أخطأت في القراءة أو لم أفهم جيدًا. “لقد أوكلنا إليك هذه المهمة لأنك الوحيد القادر على إتمامها، فنحن نحتاج إلى من يمتاز بالدقة والكفاءة وأنت أكفأ شخص ويمكننا الإعتماد 
عليك.”
 
لم يكن لدي الكثير من الوقت. أسبوع للدراسة والتمحيص ومن ثم البحث والاستكشاف ووضع خطة لا يمكن لأي شخص كائن من كان أن يخترقها لم يكن بالأمر الهين.  بدأت فورًا بدراسة المهمة التي كانت في غاية السرية، الأمر الذي لم أفهمه فقد بدت لي مهمة عادية تقل في خطورتها عن أي عمل قمت به من قبل. الأمر الذي لم أرتح له هو موقع المهمة. فقد كانت في جدة، المملكة العربية السعودية! لم تكن التأشيرة ما يقلقني فقد تم إعطائي جواز سفر سعودي بإسم مستعار ولكن ما إن عرفت أن المهمة ستكون في جدة حتى انتابني شعور غريب بين القلق والحنين. قد يعود ذلك بسبب ذكرياتي بها ولكني ظننت أني قد تخطيت تلك المرحلة من حياتي. ولكن لا يهم ذلك الآن، ليس من المعقول أن أدخل حياتي الشخصية في عملي! 

شعرت بها تتوجه إلى دورة المياه، سمعت خطواتها وهي تتقدم نحو الدولاب الذي أقبع به. كنت أنتظر هذه اللحظة وكنت على أتم الاستعداد لمواجهتها. فقد رأيتها عدة مرات وهي في طريقها لإنهاء أحد مشاويرها سواء وهي ذاهبة إلى عملها، إلى صديقتها، مع زوجها، أو إلى السوق. ولكني عندما رأيتها أمامي تبعد عني بمقدار سنتيمترات قليلة وهي بهيأتها تلك توقف الزمن بي لجزء من الثانية. شعرها المسترسل على نهديها وجسدها اللبني الممشوق لم أضعهما في حساباتي. ولكني تمالكت نفسي وجذبتها في الوقت المناسب بعد أن كانت ستفلت منها صرخة. 
بعد أن أرسلت الرسالة لبرج العمليات سمعت وقع أقدامها! الساعة الآن قد اقتربت من الحادية عشر. هل أخيرًا تذكرتني بساندوتش أو وليمة معتبرة؟ أم أنها تريد فقط أن تطمئن علي أو تتأكد من وجودي فعلًا؟ اقتربت بالفعل وقع أقدامها مني ولكنها وكأنها غيرت رأيها، ابتعدت قليلًا ثم اختفى صوت وقع أقدامها! أين ذهبت؟ لم أسمعها تغادر أو حتى تبتعد. هل حان الوقت فعلا لأبدأ مهمتي وبهذه السرعة؟!

Friday, May 9, 2014

الفصل الثالث

إيناس

دخلتْ بالضبط في تمام الساعة السابعة وخمس وأربعين دقيقة ككل صباح، ولكن اليوم كانت تحمل معها كارامل فرابتشينو وفي اليد الأخرى كيس بني من ستاربكس أعلم تماما ما بداخله، إنها الدولسي كارامل تشيز كيك. وهذا يعني أن صديقتي الغالية اليوم تواجه قرارًا مصيريًا لأنها لا تشرب القهوة عادة ولا تجرم هكذا في الفطور إلا إذا كان هناك أمر يجب حسمه. يا ترى ما هو هذا الأمر هذه المرة؟ آخر مرة دخلت بكوب قهوة كهذا كان قد أرسل إليها أحد الأمراء مرسولًا يريد به أن يشاركها في مشروعها. وكان عليها أن تقابل مدير مكتبه في ذلك اليوم. كان قرارًا شبه محسوم فكيف لها أن ترفض طلب الأمير وفي شراكته تسهيل لأمور من الصعب عليها أن تقوم بها بنفسها من غير تقديم الرشاوي لكل من يقف في طريقها. ولكن ولحسن حظها فقد كان أميرًا “ابن حلال” فقد كان من النوع الذي لا يريد أن يتدخل في شؤون العمل مع استعداده لتقديم التسهيلات ولكن في مقابل حصته من الأرباح كل عام وعزومة على عشاء فاخر معها. لا أدري كنه هذا العشاء ولكني متأكدة من قدرتها على وضع الحدود، عكسي تماماً. 
لا أستطيع أن أحتمل الانتظار أكثر من ذلك! صحيح أن الساعة مازالت لم تبلغ الثامنة صباحا ولكني أفتقده كثيرا. أفتقد كلامه المعسول واهتمامه بتفاصيل حياتي. في كثير من الأحيان أستغرب من اهتمامه بي وبما أفعل، لا أدري ما الذي يجنيه من معرفة أخباري. عندما سألته قال لي أنه يستمتع بالاستماع لي أو بالأصح...بقراءة كلماتي. أحبه وأريد أن أرددها إلى ما لا نهاية. أريد أن أصعد إلى أعلى جبل في العالم وأصرخ بأعلى صوتي أحبه! وحقيقة لا أعرف ما الذي يعجبني فيه! أف أكره الحب! فهو يجعلني كالمدمنين، أتذكر فترة من حياتي عندما أدمنت على الحشيش. لم أكره الحشيش بل بالعكس كنت أحبه ومازلت أحبه ولكني كرهت حاجتي إليه. وهكذا أنا مع عماد، أحبه من قلبي ولكني أكره حاجتي المستمرة إليه. أشعر أني أريد أن أكلمه طيلة اليوم، وعندما نقف لساعة أو اثنين عن الحديث أشعر أنها سنين. وهو على قدر لهفته بي عندما يحدثني يجب علي دائما أن أبدأ الحديث معه، وأكره ذلك! لماذا لا يبدأ هو بصباح الخير؟ لماذا علي أن أبدأ أنا في كل مرة؟ على كلٍّ، أعرف أن علي أن أستمتع بوقتي معه وأن لا أفكر وأحلل كثيرًا لأنه في يوم سيرحل كغيره. لا، لن ألوم نفسي مجددًا فالجاني هو أبي الذي جعل مني دمية في يديه ويد أصدقائه السكارى، وبالتالي أصبحت كالسلعة الرخيصة التي لا تصلح إلا لمدة قصيرة، كالبضاعة الصينية السريعة التلف. لن أبكي على ليلاي الآن فصديقتي في انتظاري..
صباح الفل والياسمين والناس الرايقة
صباح الخير، إيناس.
قولي لي ما الذي يشغل بالك؟
أنت قولي لي ما الذي ستفعلينه إن وجدت رجلا في دولابك؟
أقبله على شفتيه الورديتين طبعًا!
أنت مجنونة!
أعرف

Thursday, May 1, 2014

الفصل الثاني


رجل في دولابي

في الخامسة بالتمام رن منبه هاتفي. قمت كعادتي وارتديت ملابس الرياضة بعد استخدام دورة المياه والصلاة، ثم توجهت إلى الخارج كي أجري نصف ساعتي . نسمات الصباح الباردة استقبلتني في هذا اليوم النوفمبري الجميل ثم لم تبخل بتخلل خصلات شعري ميقظة إياها هي الأخرى. أحب هذا الوقت من الصباح كثيرًا ففيه أقوم بأحد أجمل الأشياء التي أحبها في حياتي وهو الجري. مع أني تجاوزت الخامسة والثلاثين ولكني مازلت أطمح أن أشترك في الأولومبيات فأنا على دراية تامة أن لا شيء مستحيل في هذا العالم المليء بالتحديات و المعجزات على حد سواء. هذا بالإضافة إلى أن الثلاثينات ليست بهذا السوء. يقولون أن المهم هو ما نشعر به في داخلنا، وأنا أشعر أني مازلت في الثامنة عشرة وهذا يعني أني في غاية الكفاءة للأولومبيات. أشعر أني مازلت في الثامنة عشر لأني أشعر أن في ذلك السن وضعت في آلة أوقفت الزمن عن المضي قدمًا. أن في ذلك السن أخرجت روحي من جسدي ووضعت في مكان لا أعرف كنهه إلى الآن. 
جريي مقسم إلى ثلاثة أقسام حركيا وفكريّا. في القسم الأول أجري بسرعة متوسطة أقوم فيها بقراءة أذكار الصباح، وذلك يأخذ عشر دقائق. بعد ذلك أبدأ بزيادة سرعتي فأجري ثلاثة كيلومترات في ربع ساعة أي بمعدل خمس دقائق لكل كيلومتر. وفي هذه الفترة أفكر في كل السلبيات التي يمكن أن أفكر فيها وأطلقها مع كل نفس يخرج مني. في الخمس دقائق الأخيرة أخفف من سرعتي وأفكر في يومي. هذا ليس بالطبع كل ما أقوم به لتدريبات الجري، فبجانب ذلك أجري مع المدربة مرتين أسبوعيًّا لمسافات طويلة. 
عندما بدأت بزيادة سرعتي وبعدما فرغت من أذكاري فجأة توسعت عيناي وتوقفت عن الحركة وكأني تجمدت في مكاني. مر شريط ذكريات ليلة البارحة بذهني، العرق، النافذة، دورة المياه، غرفة ملابسي و...الرجل الذي يقبع في دولابي! لا، لا ، لا يمكن أن يكون ذلك حدث بالفعل ولا يمكن أن يكون هناك بالفعل رجل في دولابي. من المؤكد أني أصبت بفايرس خلال نومي وارتفعت درجة حرارتي ثم تخلصت منه بطريقة ما، فأنا الآن لا أشعر أني مريضة. أو لعلها النافذة اللعينة. على أي حال لأعود إلى جريي. ولكن الأفكار لم تشأ أن تتركني. أيكون فعلا هناك رجل في دولابي؟ أهو لص؟ أم أنه جني! وماذا يفعل في دولابي؟! وماذا يريد؟ أيخطط على قتلي؟ أمازال موجودًا!؟ لم أعد أحتمل، توقفت بعد عشر دقائق ودخلت المنزل. في العادة أتوجه إلى المطبخ لأتناول فطوري ولكن لا وقت لدي لذلك. سوف أكتشف أمر ذلك الرجل وأحسم الأمر! 
توجهت إلى غرفة ملابسي ودقات قلبي تتسارع والغضب يتصاعد. إما أن هذا كله تهيئات أم أن ذلك اللص سينال عقابه! جهزت رقم الشرطة على جوالي لأضغط على زر الإتصال فور تأكدي من أنه لص قاتل. في أي دولاب كان قابعًا؟ نعم، لقد كان في دولاب ملابس نومي. ذلك اللص اللعين، لماذا اختار دولاب ملابس نومي!؟ وبيدان يملؤهما الحنق فتحت باب الدولاب. “لماذا تأخرتِ عليّ هكذا؟” أقفلت باب الدولاب في حركة لا إرادية غير مصدقة ما رأيت وما سمعت! رجل ثلاثيني، عيناه واسعتان سوداوتان، أنفه حاد، وفمه دقيق مرسوم عليه ابتسامة غريبة. شعره أسود ملموم في ذيل حصان صغير وبشرته قمحية. يلبس جينزًا وبلوزة زيتية. يجلس متربعًا في دولابي! وما هذه النبرة في صوته؟! لماذا تأخرت عليه؟! فتحت الدولاب مرة أخرى لعلي في المرة الثانية أعود إلى صوابي ولا أرى أحدًا. “ألن تحضري لي شيئًا لآكله؟” لم أعد أتحمل!
 “من أنتَ؟” 
 “لعل السؤال الأهم هو من أنتِ؟”
“ماذا تقصد بمن أنا؟! أنت الذي تجلس في دولابي!”
“لماذا لم تتصلي بالشرطة إذن؟”
“ومن قال لك أني لم أتصل؟”
“أستطيع أن أقرأ أفكارك”
“ماذا تريد؟”
“لا أستطيع أن أخبرك”
“سوف أتصل بالشرطة”
“إن أردت فافعلي، ولكن الأفضل ألا تتسرعي”
“لماذا؟”
“لأنك تحتاجينني”
“أنت تستفزني! من أنت وماذا تريد؟”
“قلت لك أني لا أستطيع أن أخبرك، ولكن ثقي بي”
“وإلى متى ستقبع في دولابي؟”
“إلى أن تنتهي مهمتي”
“أنت في مهمة إذن؟”
“نعم”
“هذا جنون!” ثم أقفلت الدولاب بقوة.
“لا تنسي أن تحضري لي بعضًا من الطعام”
يا له من وقح!

Friday, April 25, 2014

الفصل الأول


بعد منتصف الليل

ألقيت نظرة سريعة على هاتفي، لقد كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل. لم أنم غير ساعتين! ما الذي أيقظني؟  شعرت بالعرق يتصبب على وجهي فإذا بملابسي كلها مبتلة حتى الالتصاق بجسدي. وضعت كفي على جبيني كي أرى إن كانت درجة حرارتي مرتفعة. كان جبيني باردًا بقطرات عرقي ولم أتمكن من معرفة درجة حرارتي. نهضت متوجهة إلى دورة المياه فداهمتني نسمات باردة من النافذة المؤدية إلى دورة المياه. لماذا كانت النافذة مفتوحة؟ أظن زوجي فتحها فقد تعود قبل أن ينام أن يفتح نوافذ الغرفة عندما يبدأ الجو بالتحسن . أكره عندما يفعل ذلك فهذه هي النتيجة، جسم يتصبب عرقًا! 
ألقيت نظرة سريعة على صورتي في المرآة. شعر ملتصق بوجه شاحب. رائع! بالضبط ما كان ينقصني..شعرت وأنا أخلع ملابسي كثعبان يتخلص من جلده القديم. بعد أن رميت ملابسي في الغسيل، قمت بغسل وجهي، رششت القليل من العطر على جسدي، ثم ارتديت ملابسي الداخلية وتوجهت إلى غرفة ملابسي . أحب غرفة ملابسي كثيرًا فقد قضيتُ وقتًا طويلا مع الصفحات الإلكترونية باحثة عن تصميم يلائمني، ثم قضيت وقتًا أطول مع المهندس كي نصمم الغرفة التي أريدها بالضبط. غرفة الملابس في غرفتنا أنا وزوجي تنقسم إلى قسمين، له ولها. عند الدخول إلى قسمي سوف تواجهك طاولة من خشب الأبنوس بلا أرجل وإنما لديها قاعدة عريضة تحملها. تنقسم بعد ذلك الغرفة إلى الجهة اليمنى واليسرى. في الجهة اليمنى ملابسي وفي اليسرى دورة المياه الخاصة بي. دواليبي بأبواب ذات مرايات، عند فتحها يجب أن تأخذ خطوة للأمام لتصل إلى الأدراج أو العلاقات. تنقسم الدواليب إلى دواليب مخصصة للبلايز والقمصان، للبنطلونات، للفساتين، ملابس السهرة، ملابس النوم، ملابس الرياضة، وهكذا. في دولاب البلايز تكون البلايز معلقة بالترتيب مبتدئة ببدون أكمام، ثم بكم قصير،  بكم طويل، قمصان، ثم كاردجانز. وبالطبع مصفوفة بتدرجات الألوان مبتدئة بالأبيض ثم الأصفر ومنتهية بالأسود. ويمكن لك أن تتخيل باقي الدواليب التي تم ترتيبها بنفس الطريقة. ولكن ليس هذا ما يميز غرفة ملابسي. في دولاب من الدواليب يقبع بابًا سريّا لا يعرف عنه أحد غيري والمهندس. لا يفتح الباب إلا برقم سري، وعند فتحه سوف تجد درجًا حلزونيّا يتجه إلى الأعلى. في أعلى الدرج غرفة صغيرة بسقف زجاجي يطل على السماء. ولكن السقف يقفل بسقف أسمنتي كي لا يكتشف أمر الغرفة.  في منتصف الغرفة كرسي مائي يمكنه أن يعود إلى الوراء متحولا إلى سرير هلامي. جدران الغرفة مغطاة بأرفف مليئة بالكتب. وفي أقصى اليسار يوجد مكتبي. كنت أحلم دائمًا بغرفة كهذه. مخبئًا سريا لا يعرف عنه أحد، أستطيع فيه أن أضيع في عالم الكتب. ولكن السر الأعظم في هذا المخبأ هو أن أي كتاب يدخله تدب فيه الحياة. فالكتب هنا تتكلم معي وتقرأ نفسها لي. هذا المخبأ عالم سحري خاص بي. أعيش فيه أجمل لحظات عمري أستمع، أتناقش، أحب، أكره، أبكي، وأضحك. وعندما أسحب نفسي خارجة منه يجب أن أخرج برقم سري آخر كي يفتح لي الباب.

فتحت دولاب ملابس النوم، وعندما أخذت خطوة بداخله وجدت هيئة إنسان جالسًا على أرضه! فتحت فمي لأصرخ فداهمتني يد قوية حبست أنفاسي وجذبتني على الأرض بجانبها. سمعت همسًا في أذني “لا جدوى من الصراخ، لن أؤذيك. أحتاج أن أبقى هنا لفترة، أريدك أن لا تخبري شخص بأمري. مفهوم؟!” هززت رأسي بالإيجاب فسحب من فوقنا قميص نوم وألقاه على جسدي المرتجف، ثم قال لي: “يمكنك أن تذهبي الآن.”