رجل في دولابي
في الخامسة بالتمام رن منبه هاتفي. قمت كعادتي وارتديت ملابس الرياضة بعد استخدام دورة المياه والصلاة، ثم توجهت إلى الخارج كي أجري نصف ساعتي . نسمات الصباح الباردة استقبلتني في هذا اليوم النوفمبري الجميل ثم لم تبخل بتخلل خصلات شعري ميقظة إياها هي الأخرى. أحب هذا الوقت من الصباح كثيرًا ففيه أقوم بأحد أجمل الأشياء التي أحبها في حياتي وهو الجري. مع أني تجاوزت الخامسة والثلاثين ولكني مازلت أطمح أن أشترك في الأولومبيات فأنا على دراية تامة أن لا شيء مستحيل في هذا العالم المليء بالتحديات و المعجزات على حد سواء. هذا بالإضافة إلى أن الثلاثينات ليست بهذا السوء. يقولون أن المهم هو ما نشعر به في داخلنا، وأنا أشعر أني مازلت في الثامنة عشرة وهذا يعني أني في غاية الكفاءة للأولومبيات. أشعر أني مازلت في الثامنة عشر لأني أشعر أن في ذلك السن وضعت في آلة أوقفت الزمن عن المضي قدمًا. أن في ذلك السن أخرجت روحي من جسدي ووضعت في مكان لا أعرف كنهه إلى الآن.
جريي مقسم إلى ثلاثة أقسام حركيا وفكريّا. في القسم الأول أجري بسرعة متوسطة أقوم فيها بقراءة أذكار الصباح، وذلك يأخذ عشر دقائق. بعد ذلك أبدأ بزيادة سرعتي فأجري ثلاثة كيلومترات في ربع ساعة أي بمعدل خمس دقائق لكل كيلومتر. وفي هذه الفترة أفكر في كل السلبيات التي يمكن أن أفكر فيها وأطلقها مع كل نفس يخرج مني. في الخمس دقائق الأخيرة أخفف من سرعتي وأفكر في يومي. هذا ليس بالطبع كل ما أقوم به لتدريبات الجري، فبجانب ذلك أجري مع المدربة مرتين أسبوعيًّا لمسافات طويلة.
عندما بدأت بزيادة سرعتي وبعدما فرغت من أذكاري فجأة توسعت عيناي وتوقفت عن الحركة وكأني تجمدت في مكاني. مر شريط ذكريات ليلة البارحة بذهني، العرق، النافذة، دورة المياه، غرفة ملابسي و...الرجل الذي يقبع في دولابي! لا، لا ، لا يمكن أن يكون ذلك حدث بالفعل ولا يمكن أن يكون هناك بالفعل رجل في دولابي. من المؤكد أني أصبت بفايرس خلال نومي وارتفعت درجة حرارتي ثم تخلصت منه بطريقة ما، فأنا الآن لا أشعر أني مريضة. أو لعلها النافذة اللعينة. على أي حال لأعود إلى جريي. ولكن الأفكار لم تشأ أن تتركني. أيكون فعلا هناك رجل في دولابي؟ أهو لص؟ أم أنه جني! وماذا يفعل في دولابي؟! وماذا يريد؟ أيخطط على قتلي؟ أمازال موجودًا!؟ لم أعد أحتمل، توقفت بعد عشر دقائق ودخلت المنزل. في العادة أتوجه إلى المطبخ لأتناول فطوري ولكن لا وقت لدي لذلك. سوف أكتشف أمر ذلك الرجل وأحسم الأمر!
توجهت إلى غرفة ملابسي ودقات قلبي تتسارع والغضب يتصاعد. إما أن هذا كله تهيئات أم أن ذلك اللص سينال عقابه! جهزت رقم الشرطة على جوالي لأضغط على زر الإتصال فور تأكدي من أنه لص قاتل. في أي دولاب كان قابعًا؟ نعم، لقد كان في دولاب ملابس نومي. ذلك اللص اللعين، لماذا اختار دولاب ملابس نومي!؟ وبيدان يملؤهما الحنق فتحت باب الدولاب. “لماذا تأخرتِ عليّ هكذا؟” أقفلت باب الدولاب في حركة لا إرادية غير مصدقة ما رأيت وما سمعت! رجل ثلاثيني، عيناه واسعتان سوداوتان، أنفه حاد، وفمه دقيق مرسوم عليه ابتسامة غريبة. شعره أسود ملموم في ذيل حصان صغير وبشرته قمحية. يلبس جينزًا وبلوزة زيتية. يجلس متربعًا في دولابي! وما هذه النبرة في صوته؟! لماذا تأخرت عليه؟! فتحت الدولاب مرة أخرى لعلي في المرة الثانية أعود إلى صوابي ولا أرى أحدًا. “ألن تحضري لي شيئًا لآكله؟” لم أعد أتحمل!
“من أنتَ؟”
“لعل السؤال الأهم هو من أنتِ؟”
“ماذا تقصد بمن أنا؟! أنت الذي تجلس في دولابي!”
“لماذا لم تتصلي بالشرطة إذن؟”
“ومن قال لك أني لم أتصل؟”
“أستطيع أن أقرأ أفكارك”
“ماذا تريد؟”
“لا أستطيع أن أخبرك”
“سوف أتصل بالشرطة”
“إن أردت فافعلي، ولكن الأفضل ألا تتسرعي”
“لماذا؟”
“لأنك تحتاجينني”
“أنت تستفزني! من أنت وماذا تريد؟”
“قلت لك أني لا أستطيع أن أخبرك، ولكن ثقي بي”
“وإلى متى ستقبع في دولابي؟”
“إلى أن تنتهي مهمتي”
“أنت في مهمة إذن؟”
“نعم”
“هذا جنون!” ثم أقفلت الدولاب بقوة.
“لا تنسي أن تحضري لي بعضًا من الطعام”
يا له من وقح!
No comments:
Post a Comment