Monday, June 8, 2026

الفصل الثاني والعشرون

 حلم عظيم

كل محب يشعر أنه لا يوجد في الكون حب كالذي بينه وبين حبيبه. وهذا بالضبط كان شعوري تجاه زوجي الحبيب – ربي يرحمه ويحسن إليه. لهذا كانت هيام تحب أن تسمع قصصنا معا، تحب أن تسمع قصة تعرفنا على بعضنا البعض، كيف تزوجنا، كيف كان حديثنا معا، كل المواقف الذي أظهرنا فيها تفانينا في ذلك الحب، تحب أن تسمعني وأنا أشرح لها كيف كنا نمشي سويا، وكيف كنا دائما نبحث عن بعضنا ليلمس أحدنا يد الآخر، كيف كان يحب أن ينظر إلى عيني، كيف كنا نمرض سويا، ونضحك إلى أن نبكي سويا، كيف كان يشعر أحدنا بالآخر على بعد آلاف الأميال، كيف كنا نفهم حاجات بعضنا، كيف كان يقول لي أني من الجنة، أني رزق، أني ملاكه، وقمره، وكل حياته. كيف كانت ردة فعله عندما علم بحملي في والدتها، وكيف كنا نضحك سويا عندما كان يشعر بحركات والدتها وهي في بطني في بطنه! وعندما حملها بين يديه في المستشفى، كيف كان يحنو عليها، ويكلمها ويغني لها، وماذا فعل عندما قالت "بابا" لأول مرة. كنت أقول لها هكذا يحب الرجل المرأة، كأنه ليس هناك في الكون غيرها ومن ثم ينسكب حبه لها على أطفالهما، هكذا هو الحب الحقيقي. تحب أن تسمع مني دائما عن جدها، ولكن.. عندما تقول لي "احكي لي عن حبيبك" أعرف أنها تحتاج دعم من نوع آخر، أعرف أنها تحتاج أن تسمع شيء بعيدا تمام البعد عما تمر به، أعرف أنها تحتاج أن تشتت انتباهها ولو قليلا عن شيء كبير تنوي القيام به. سأحكي لها كل ما تريد أن تسمعه، ولكني اليوم سأحكي لها عن شيء آخر بقي في قلبي يدمي طويلا..لماذا اليوم؟ لأني رأيت نظرة تحدّ غريبة في عينيها حال وصولها أمس وشعرت أن هناك شيء جديد له علاقة بما حدث منذ ثلاثون سنة. 

كان جدها رجل عظيم، شيخ، دكتور، وأستاذ قدير قام بتأسيس جمعيات للشباب المسلم في أنحاء العالم. كان طلاب العلم يأتونه من كل مكان، ينهلون من عمله، يطلبون استشارة، أو حتى كفالة. كان كريم لا يبخل بوقته، ولا بحكمته وعلمه، ولا بماله. كان يحكي لي كل ليلة عن اجتماعاته، طموحاته، وعن أحلامه. وقد كان هناك حلم من هذه الأحلام يؤرقني ويخيفني، فقد كان حلم أمة، حلم أكبر من أن يحمله شخص واحد، حلم لم يستطع العالم تحقيقه على مر العصور، حلم قد يعرضه للاغتيال..وقد كان. 

السلام عليكم 

وعليكم السلام يا حبيبة تيتة، تعالي يا هيام أحكي لك

تيتة، ليش ما حكيتِ لي عن الدكتور هياتشي مع جدي من قبل؟

كنت حاسة إنك عرفتِ..

ليش خبيتِ على كل هذه السنين؟ 

كنت خايفة تتبني حلم جدك.

خوفك كان في محله.

يا رب ساعدني وصبرني ولا توجع قلبي مرة تانية..

اتأكدي إنه ما حيوجع قلبك وحتشوفي بعينك حلم جدي بيتحقق وحتكوني هناك!

يا رب

جاهزة؟  

Saturday, June 6, 2026

الفصل الحادي والعشرون

 كيكة البرتقال 

 

بعد أن قمت بتأدية صلاة الفجر ارتديت ملابس الرياضة مضيفة إليها أثقال في كلتا يدي وقدمي، هذه الأثقال أتركها هنا في إسكشهر لأني أشعر أني أحتاجها هنا فقط لسببين..السبب الأول هو الجو، الجو هنا دائما معتدل أو بارد فإضافة الأثقال سيزيد من حرارة جسمي أثناء الجري. أما السبب الآخر هو أن أفكاري في هذه المدينة الصغيرة دائما كبيرة، عميقة، ومصيرية فأحتاج إلى شيء يثبتني على أرض الواقع، وهذه الأثقال تفي بالغرض - مع أني أحيانا أشك في ذلك. 

أعرف أني سأرى جدتي العزيزة في حديقتها في طريق خروجي. أحبها وأحب رائحتها، طقوسها، كلامها، صمتها، ابتسامتها، سكونها، حكمتها، قراراتها، مزاحها، ذكائها، طبخها، وبيتها مع حديقته وكل شيء فيه. أعرف أني سأراها تكلم هذه الشجرة أو تلك، تلمس بيديها الحانيتين هذه الثمرة أو تلك، تسلم على هذه الزهرة أو تلك. والغريب أنك وإن لم تسمع شيئا تشعر أن كل تلك المخلوقات الربانية تبادلها الحديث! عندما وصلت البارحة افترقنا أنا وأدهم في المطار، حيث مضيت بسيارتي التي أحضرها لي السائق إلى إسكشهر التي تبعد تقريبا أربع ساعات من إسطنبول مرورا ببورصا جنوبا، ومضى أدهم بسيارة أجرة مباشرة إلى منزل أوجلو كي يسلمه الأمانة. لقد حان الوقت أخيرا واقتربت نقطة الصفر. أدهم أرسل لي أن كل شيء يسير وفق الخطة وأنه وأوجلو سهروا لوقت متأخر من الليل وهم يخططون لليوم المنشود حيث قررنا أنه سيكون يوم الجمعة ٢٥ ديسمبر. هذا يعني أن أمامنا بالضبط ٨ أيام. أبتسم قليلا وأنا أتخيل هذان الرجلان وهم يخططون، سواء أوجلو التركي ذو الشخصية التحليلية التفصيلية (وهذا ما يعجبني فيه) أو أدهم السعودي الذي يسري الجدال في دمه (وهذا ما يعجبني فيه أيضا) عقلان أساسيان في عمليتنا. عندما أخبرت أدهم ونحن متوجهين إلى المسجد من شهرين عن العملية لم يترك ثغرة، خطوة، أو مهمة إلا وسأل عنها، قلت لكم هو يحب الجدال. وهذه الشخصية هي التي كنت أحتاجها في ذلك الوقت، شخص يحرك أفكاري، ينظمها ويرتبها معي. وبما أني كنت أقود السيارة وهو جالس بجانبي كان هو يسأل، يستفهم، يكتب، ويسجل. وبعد أن انتهينا من أداء الصلاة في المسجد ذلك اليوم وصلينا الاستخارة أمضينا طريق العودة إلى السيارة في صمت، وفي السيارة سألني سؤال كنت أحتاج أن يذكرني به شخص..قال: نيتك خالصة لوجهه الكريم؟ بدون تردد قلت نعم وأمامي في مخيلتي لحظة انتهائنا من المهمة. قال لي جملة واحدة كانت كفيلة بإسعادي ذاك اليوم (توكلنا على الله). 

صباح الفل على أحلى وأجمل ملكة في العالم!

صباح الورد يا فلتي الجميلة

كيف أصبحت يا تيتة؟

أصبحت بخير طالما إنك بخير يا حبيبة تيتة

حبيبتي يا تيتة، لا تنسي وعدك إنك تحكيلي للمرة المليون عن حبيبك على الفطور

عيوني لكِ، عاملة لك فطار على ذوقك وكيكة البرتقال في الفرن

شامة والله شاماها، أشوفك على خير

ربي معاك   

Friday, June 5, 2026

الفصل العشرون

 آية ٩٣

اليوم قمت بعمل صحني المفضل للفطور، الأكلة التي كانت تعجب والدي ولكنه لم يعترف يوما لي بذلك ولم يقل لي يوما "تسلم الأيادي". عندما كنا نزور عمتي كنت أسمع زوج عمتي يمازحها بعد الغداء ويقول لها: "تسلم إيديكِ ورجليكِ وما بين فخديكِ" عمتي وزوجها حكاية! اليوم أقوم بطبخ أكلتي في هدوء مطبخي الصغير الجميل الذي اخترت كل قطعة منه بعناية فائقة، من الثلاجة والفرن إلى الصحون، الكاسات، والملاعق والشوك والسكاكين. أقطع البصل الأخضر صغيرا جدا وأضعه في المقلاة مع الكثير من الزبدة والقليل من زيت الزيتون، ثم أقطع الهيليون صغيرا جدا أيضا وأضعه على البصل مع ملعقة كبيرة من البِستو وأتركهم على نار هادئة. آخذ بيضتين أو ثلاثة وأفقسهم في خلاط صغير وأضع عليهم القليل من كريمة الطبخ وأخلطهم. أضع على النار مع خليط البصل الذي يمكن أن تشم رائحته المميزة القليل من جبنة البارميجان ومن ثم بعد أن يكون قد تحمّر قليلا أصب عليه خليط البيض مع الملح والفلفل. آخ،، ألذّ فطور في العالم! جلست على طاولتي الصغيرة المطلّة على شرفة أرضية حيث أسكن في عمارة كتكوتة في حي كتكوت. وجلست أتفرج على العصافير البنيّة الصغيرة التي تأتي كل يوم لتأكل من صحن بلاستيكي قمت بإلصاقة على نافذتي بحيث يكون مرتفع عن الأرض على مستوى نظري عندما أكون جالسة على الكرسي لتناول طعامي. كل مرة أشاهد العصافير يأكلون من الحبوب التي أضعها لهم ويشربون من الماء الموجود في الصحن الآخر. ولكن هذه المرّة لاحظت شيئا غريبا. هناك عصفوران يأكلان من الصحن وخلال أكلهما تتساقط بعض الحبوب على الأرض. نظرت إلى أرض الشرفة ورأيت خمسة أو ست عصافير يأكلون ما سقط من العصفوران على الأرض. وفي تلك اللحظة جاءت على خاطري لحظة تأمل..هكذا نحن البشر..هناك البعض من يمتلك الحصة الأعظم، يكونون هناك فوق، يسكنون القصور في أعالي الجبال المطلة على البحار والمحيطات اللانهائية. لديه ما لا يعد ولا يحصى من المال ثم يرمي لباقي البشر الفتات ويشعر أنه فعل الكثير وتفضل على سائر العباد بكرمه الفياض. وفي نفس الوقت باقي البشر هناك في الأسفل يلملمون الفتات ويحمدون الله على أن هناك بشر يتميزون بالجود ويؤثرون على أنفسهم ويفكرون بالعباد. حقيقي أننا مثيرون للشفقة! 

تذكرت والدي الذي كان يحسب على الحركة والسكنة. كان كلما فعلت شيئا يقول لمَ فعلتيه؟ وإذا لم أفعل شيئا يقول لمَ لمْ تفعليه؟ إذا أكلت يقول لا تأكلي ستصبحين كالبرميل وإذا لم آكل يقول كلي، انظري لنفسك أصبحت كخيال المآتة! إذا اشتريت كوب قهوة يقول لم اشتريت من هذا المكان، وإذا اشتريت من ذاك المكان يقول ألا يكفيكِ أن تشربي من البيت؟ أحمد الله أنني مازلت بعقلي! وبعد كل هذا الصبر مع هذا النوع من البشر إن لم أدخل الجنة فلا أدري من سيستحق دخولها! 

أيُنَعّم الآن عماد في قبره؟ هل قبره روضة من رياض الجنة؟ أرجو من الله ذلك..يا رب اغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس..آنس وحشته يا رب، يا رب آنس وحشته، اجعل عمله الصالح أنيسه كما كنت أنا أنيسته في هذه الدنيا. الجواب! نسيت أن أحرق الجواب..أفففف لا أريد أن أحرقه. هل فعلا يستحق شخص القتل بمجرد أنه أخطأ؟ لا لا، لا أريد أن تعود لي هذه الوساوس مرة أخرى. سأحرق الجواب وأرسل الفيديو لهيام ثم ألغيه من كل مكان. 

تم..

شاطرة

الحمد لله على سلامتك.

الله يسلمك. مالك؟ زعلانة مني؟ 

يعني، بس عندي سؤال

اتفضلي

قرأت الآية ٩٣ في سورة النساء؟

قرأتها وعارفاها، ربي يتوب علينا.

Tuesday, June 2, 2026

الفصل التاسع عشر

 

قلب لا يلأم 


كنت أعمل في مكتب سياحي متواضع. أتعامل مع كل نوعيات البشر التي خلقها الله على هذه البسيطة. فهناك نوع لا يعرف ما يريد، يأتي وهو يعرف فقط أنه يريد أن يسافر، ولكن أين ومتى وكيف ليس لديه أي فكرة. كلما سألته سؤال يقول لي لا أعرف، ما رأيك أنت؟ هل تريد أن تسافر إلى بلد حار أو بارد؟ هممم لا أعرف، ما رأيك؟ هل تريد أن تسافر إلى شمال أفريقيا، أوروبا، أو أمريكا مثلا؟ هممم، سؤال صعب، ما رأيك؟ هل تعرف متى تريد أن تسافر؟ ليس لدي فكرة! وهناك نوع يصعب عليه اتخاذ قرار، أي قرار! هل يسافر على الخطوط السعودية أم القطرية، هل يستخدم نقاطه لشراء التذكرة أم يدفع نقدًا، هل يسافر في إجازة عيد الفطر أم عيد الأضحى؟ وهناك نوع يدخل إليك ومعه ملف عن الوجهة التي يريد السفر إليها وخيارات خطوط الطيران وتقرير مفصل عن الأسعار وآخر عن آراء الناس وقائمة طويلة بالمدن، القرى، البلاد القريبة، طرق المواصلات المختلفة، المطاعم، المقاهي، المتاحف، التجارب الثقافية، والمعالم السياحية. هذا النوع ما عليك إلا أن تقول له ما شاء الله، هل أقوم بالحجز؟ وقد تميزت في المكتب بذكائي الاجتماعي الخارق، حيث يمكن لي أن أرضي جميع الأذواق بمهاراتي المختلفة. 

أما عن طاقات الناس، فهناك أشخاص يدخلون إلى المكتب بطاقة إيجابية كأن الشمس دخلت معهم، وهناك أشخاص طاقتهم السلبية تسبقهم لتدخل وتملأ المكتب وجوما قبل وصولهم. ولكن في ذلك اليوم، دخلت طاقة من نوع آخر، طاقة أنثوية لم أشعر بها من قبل. رأيتهما امرأتان في أواخر العشرينات على ما يبدو أو بداية الثلاثينات لست متأكدا. الأولى، تحوم حولها هالة تجعلك لا تستطيع أن تنظر مباشرة إلى عينيها. أما الثانية فما إن نظرت إلى عينيها شعرت بقشعريرة تملأ كياني. أهذا ما يقولون عنه الحب من أول نظرة؟ كان اسمها إيناس وكانت من أجمل ما وقعت عيني عليه من النساء..لا لا بل من كل ما خلق ربي. ملأت كياني من أول نظرة، أحببتها بكل ذرة من جسدي، هكذا من أول نظرة. كانت تعمل لدى السيدة هيام. كانت مساعدتها الخاصة. وشهد ذلك اليوم بداية جديدة لحياتي ونهايتها في آن واحد. 

لا أعرف من سيقرأ رسالتي هذه، ولكني أعرف أن نهايتي قريبة. لقد وثقتْ بي السيدة هيام خلال الخمس سنوات الماضية. سلّمتني العمل على سفرياتها شخصيا ومن ثم رحلات وتأشيرات وتذاكر موظفيها وأخيرا كل عملائها الذين يأتون من جميع أنحاء العالم. تركت عملي في المكتب السياحي وأصبح لدي مكتبي الخاص في إمبراطوريتها. لقد كنت متفانيا لها ولعملها الذي تقوم به، مؤمنا بها وبرسالتها، وقد كنت كذلك فعلا إلى أن أخبرتني بعمليتها الأخيرة. نعم، الهدف جبّار، الغاية نبيلة وقد قمت فعلا بتطبيق كل ما طلب مني على جنونه بحذافيره، ولكني أخطأت وتم تسريب معلومات عن طريقي أدت إلى كشف تنقلات موبن. وخطأ واحد في عملية كهذه كفيل بالقضاء على حياتي..

سامحيني يا إيناس، سأتركك غصب عني في هذه الدنيا. ولكن تيقني أن الفترة التي قضيناها معا متزوجان سرًّا كانت من أجمل اللحظات في حياتي. أحبك يا نور عيني..أحبك وسألقي حتفي وأنا أرددها. 

              عماد 


أعتقد أني قرأت رسالة عماد سبعمئة مليون مرة! قلبي مو راضي يلئم.

إيناس، اتفقنا تحرقيها، صح؟

مو قادرة، يا هيام! 

أنا في الطيارة لاسطنبول دحين، أبغى لما أوصل ألاقي فيديو منك وأنت بتحرقيها. وبعد ما أشوف الفيديو امسحيه من كل مكان، مفهوم؟ 

مفهوم.

 

 

 

 

                                                  

Sunday, May 31, 2026

الفصل الثامن عشر

 


منظمة لعينة


الحمد لله..الحمد لله أني أستطيع أن أسافر إلى أي مكان أريده دون أي تدخل من أي شخص كائن من كان. لا أحد يسأل ولا أحد يهتم. قد يهتم أولادي قليلا، ولكن كل منهم مشغول في حياته. أحيانا أشعر بغصة لأنهم لم يعودوا يحتاجونني، ولكن "هذا ما جنيته يا براقش" هكذا كنت أريدهم، وهكذا قمت بتربيتهم، أن يكونوا معتمدين على أنفسهم إلى أقصى حد. حتى عندما كان يقول لي زوجي أن أوقظ أحدهم لصلاة الفجر أو في الصباح كي لا يتأخر عن الذهاب إلى المدرسة أرفض ذلك وأقول: "دعهم يتعلمون كيف يوقظون أنفسهم، لماذا علي أن أتحمل واجب عليهم هم القيام به؟" وطبعا يرمقني زوجي بنظرة غير راضية تشوبها السخرية. لا تعجب زوجي طريقتي في التربية، ولكن لا يهم. قلت لزوجي وأولادي أني مسافرة، وعندما سألوني إلى أين قلت إلى حبيبتي. هم يعرفون من هي حبيبتي، يعرفون أن جدتي لها مكانة كبيرة في قلبي، فهي أمي وأبي وأختي وصديقتي وشيء آخر لا يعرفونه. هي شريكتي في أهم عملية في حياتي. 


أقلعت الطائرة وتنفست الصعداء. لدي في الطائرة مراسم محددة كل منها في وقت محدد وترتيب معين لا يتغير. أولا، قراءة القرآن، ثم النوم قليلا، ثم قراءة قصة، ثم اختيار فيلم ومشاهدته أثناء تناول الطعام، ثم النوم، ثم التسبيح والدعاء. وإذا طالت الرحلة أعاود الكرة بالترتيب. ولكن ما إن صعدت الطائرة وجلست في مقعدي حتى شعرت بألم في قلبي. شعرت بألم الفقد مرة أخرى. ولكن في هذه المرة أنا من خلقته بيدي. أنا من زرعته بكل آلات الزراعة القديمة والحديثة في قلبي. استعدتُ ليلة البارحة بكل تفاصيلها. لم أتمالك رغبتي في وضع يدي على صدره لأشعر بدمائه الساخنة تملؤ رائحتها جسدي. أحبك يا عمر، يعلم الله أني أحبك، يعلم الله كم كان من الصعب علي أن أقتلك في وسط مملكتي، يعلم الله أني لن أنسى جملتك الأخيرة (نظرتك هيام، لا تعجبني)، يعلم الله أني لن أجد في الوجود شخص يفهمني كما كنت تفهمني وتقرأ عيني وتعرف كيف تحدثني. أعتذر لك يا عمر ولكني لست آسفة. لم أكن أتخيل أنك ستصبح يوما من الأيام منهم. نعم، أعرف أنك طالما أردت أن تعمل مع المافيا ولكن أن تنضم إلى تلك المنظمة الماسونية اللعينة التي تدّعي الخيرية؟؟ عندما رأيت ذاك الفرجار الصغير وتلك العين اللعينة على ذراعك التي طالما اشتقت إليها، حاولت أن تخفيه سريعا عني ولكني في لحظتها تأكدت من وضعك، أهدافك، ومن...مصيرك. الآن فهمت لماذا اختفيت..لعلك وجدت نفسك التي طالما أحبت حديث الروح في الانضمام إلى تلك المنظمة. أيعقل أنك صدقت ادعاءاتهم؟؟ يبدو أنني لن أعرف الجواب أبدا.

لماذا تبكين؟

لا أبكي.

وما هذه الدموع التي تملؤ عينيك وتسيل على خديك؟

أدهم! صحيح أن قلبي حجر ولكني مازلت إنسان ولديّ مشاعر!

أعرف يا هيام، والحمد لله أنك تبكين لأني والله دخلت في قلبي قشعريرة يملؤها الرعب منك أمس. 

ما علينا، سأمكث في إسكشهر لمدة أسبوع ثم أراك في جوام. هل كل أمورك مرتبة؟

عيب يا هيام..

أصيل يا أدهم، لك من اسمك نصيب. 

أدهم..

نعم

ادعي ربي ينصرنا

أكيد بدعي. 

 

  

 

Tuesday, August 11, 2020

الفصل السابع عشر

اشتقت إليك


..عماد، أعرف أنك لن ترد علي..أعرف أنك في ظلمات القبر وضمته..أعرف أنك لا تسمعني ولكني أحتاج أن أتكلم معك

.أفتقدك، ولو قلتها وأمليت سطوري بها لن يرويني ذلك ولن أشعر أني قد اكتفيت أو عبرت أو انتهيت من وصف إحساسي

قضينا معا ما يقارب الشهرين في بيتك الهادئ ودعني أصف لك علاقتي مع بيتك. أحببته حين رأيته وهو كذلك، ستسألني كيف عرفت أنه أحبني وسأقول لك هو أخبرني بذلك. فكل قطعة أثاث كانت تحتويني، الخدادية البنفسجية على كنبتك الرمادية استقبلتني بإحساسها القطيفي وتشكلت لتحوي جسدي وتلمس ظهري بكل الحنان الذي وجد على هذه الأرض. أدراج مطبخك كانت تفتح لي لتريني ما بداخلها لتعرفني على محتواها وهي تقول لي نحن هنا لك ولخدمتك. حتى مرآة حمامك نظرت لي وابتسمت. ولا أريد أن أصف كثيرًا علاقتي مع سريرك لأني أخشى أن تغار وأنت غيور ولكني أحب غيرتك المجنونة. دائما كنت أقول لك أن سريرك يناديني وأنت تضحك وتقولمتأكدة السرير اللي بينادي؟لم أسألك حينها ماذا كنت تقصد، فهل كنت تلمح أنني أنا من أناديه، أم أنك أنت من تنادي؟ ولكن لم يكن يهمني وقتها من كنت تقصد فقد كنت أطرب لسماع ضحكتك، وما أجملها من ضحكة. حسنا حسنا سأصف علاقتي مع السرير. أولا، هو أحب الأماكن لي لأنه جمعنا كما كان يجمعنا. ثانيا، لدى ذلك السرير أجمل وأحن ضمة هو فعلا يضمني كلما استلقيت عليه، كما أني أشعر أنه يعرفني، أنام عليه فلا أشعر أني غريبة أشعر أني في حضن صديق. حسنا حسنا، سأتوقف فأنا أرى تلك النظرة في عينيك

 

عماد، أريدك أن تعرف أني أفتقد حياتنا معا..أفتقد صباحاتنا عندما كنت تقول لي لا أريد أن أقوم من جانبك، أريد أن نبقى هكذا للأبد. كنت لا أمل أبدا من حضنك. كنت أشعر أني أغوص في قلبك عندما تحضنني، كنت فعلا أدخل فيه كما كنت تريدني أن أفعل. كنت تقول لي أريد أن أدخلك في قلبي وأقفل عليك فأرد قائلة دخلت والله دخلت..أفتقد نظراتك وهي تتبعني وأنا أمشي في البيت فأزيد من تمايلي لأشعر بابتسامتك تلاحقني. اشتقت إليك، عماد، وشوقي يحرقني أشعر بلهيبه في قلبي

الآن أنا في بيتك أكتب على مكتبك حيث كنت تجلس على كمبيوترك وتعمل، أمشي بأصابعي على أقلامك، كتابك الذي كنت تقرأ فيه، دفترك الصغير الذي كنت تدون فيه، حواف المكتب الذي لمسك في يوم ما..أشم رائحتك في كل مكان، أتخيلك في كل ركن، أشعر بضحكاتك في أذني أسمعها بعيدة وكأني أسمعها بقلبي. اشتقت إلى حديثك معي، اشتقت إلى الطعام من يديك، اشتقت إلى يديك، اشتقت إلى كلك إلى كل ما فيك، إلى العلامة في وجهك إثر سقوطك من الدراجة في صغرك، إلى الشامة في كتفك، إلى ذقنك في أول النهار وفي آخره. اشتقت إلى تطمينك لي، إلى دعمك، إلى مزحك، نعم اشتقت إلى دمك التقيل..اليوم سأذهب لأول مرة بعدك إلى العمل. لا تستطيع أن تتخيل صعوبة ذلك بالنسبة لي


!صباح الفل على أجمل إيناس في الدنيا

صباحو

إيناس، مقدرة إنك جيتي اليوم..تعالي في قلبي تعالي، إيناس يا حبي، عماد حيكون يبغاك تعيشي. ثلاثة شهور وعشرة أيام من غير ولا خرجة أظن كفيتِ ووفيتِ وعملت اللي عليكِ

مروقة يا هيام وبتتكلمي بالسجع كمان على الصبح، ما شاء الله خير؟ إيش بيحصل من ورايا؟

اسألي إيش ما بيحصل من وراكِ! جاهزة للشغل؟

جاهزة طبعا، حمستيني يلا قولي!

..خلينا نشرب قهوتنا ونبدأ الشغل