Tuesday, October 22, 2019

الفصل الخامس عشر


بين يداي

لم يكن هناك إلا أنا وهي..هي سبقتني وبدأت في الصلاة قبلي. أنا دخلت في الركعة الأخيرة. هي سلمت مع الإمام وأنا أكملت صلاتي وأنا أرمقها بطرف عيني. بدأ الرجال يمشون من أمامنا خارجين من المسجد حيث كنا أنا وهي نصلي في ساحة المسجد فحركت حقيبتي لتضعها أمامي. بعد أقل من دقيقة حركتها ثانية بعصاها كي تجعلها في وضع مستقيم أمامي بعد أن كانت شبه مائلة. ابتسمت بيني وبين نفسي فهذه الحركة وضحت لي كم نحن متشابهتان. انتهيت من الصلاة ومددت يدي لأصافحها.امتزج لون يدها الداكن بلون يدي الوردي فكأنما لامس مزيج قهوة حار رغوة الحليب الفائر. تجاعيد يديها الناعمة لمست شيء في قلبي، فشعرت وكأنما وجدت يداي ضالتهما بين يديها اللواتي امتلأت لمستهما بحنان وصل إلى قلبي قبل يداي. وفجأة رفعت يداي إلى شفتيها وقبلتهما ثم قالت شيئا. لا أتذكر ما هو ولكن أتذكر صوتها. كان صوت دعاء أو صوت جدتي. نعم، كان خليط من الاثنين كأنها جدتي وهي تدعو لي

ذهبتْ ولكني لم أذهب. لم أكن أريد أن أتحرك. لم أكن أريد أن أترك المسجد. شعرت أني بحاجة إليه. بحاجة إلى المكوث فيه. جسمي كله ينادي ويقولوعجلت إليك رب لترضى، وعجلت إليك رب لترضىلا يريد أن يتوقف عن المناداة، الهتاف، لا يريد أن يتوقف عن الحديث معه جل في علاه. وعجلت إليك رب لترضى علي رضىً تساعدني فيه، رضًى تفتح به علي فتوح العارفين، رضًى تهديني به إلى أفضل الحلول، إلى أفضل النتائج. أتصبب عرقًا في الساحة ولكني مازلت أشعر أني لا أريد أن أذهب. مازلت أحتاجك يا ربي. أرني الطريق، اهدني إليه، سهله لي، بارك لي فيه، أعني فيه على كل خير

أخيرًا وبعد أن شعرت أني ارتويت قمت. لقد تأخرت عليه. كان ينتظرني بصبر. لم أشعر أني بحاجة لأن أعتذر له عن تأخيري لأني أعرف أنه فهم. فهم حاجتي وشعر بعطشي. مشينا في صمت. ذاك الصمت المريح، عندما تشعر أن لغة الحوار الصمت، عندما يكون الاتصال صمتًا والكلمات صمتًا والمشاعر صمتًا. صمتًا يملؤه حديث. حديث مفهوم لا يحتاج إلى تعبير. مشينا إلى أن وصلنا إلى المقهى. لا أحب ذلك المقهى لأن القطط تحبه ودائما تحب جواره. ولكنني استسلمت لرغبته في اختيار المكان في سبيل ما سيأتي، في سبيل ما سأتكلم فيه. دعيه يختار فأنت التي ستختارين لاحقا

    في ماذا تفكرين؟-
سنمشي على الخطة، هذا ما أفكر فيه-
ولكن الأمور تغيرت-
نعم تغيرت ولكن للأفضل-
وكيف ذلك؟-
خبأت موبن عندي كما كان الاتفاق، أرسلوا عمر لي لأنهم شكوا في أن موبن معي. وذاك ما كنا نريده بالضبط. الأمير حسن مازال يظن أن موبن معي وأنه أسير بين أيدينا وهذا يعطينا المزيد من الوقت. عماد كان حلقة ضعيفة في خطتنا. لم أكن أريد إشراكه معنا منذ البداية ولكننا احتجنا إليه وها هو فعل ما كنا نخافه ولقي حتفه. نعم علينا الآن أن نجد بديل ولكن لا تقلق يوجد شخص في بالي
هيام، تعرفين أنك تلعبين بنار ممزوجة بحديد مصهور-

هذا ما أحتاجه يا أدهم، أحتاج بين يداي إلى حديد مصهور أشكله كيفما أريد-

Saturday, July 20, 2019

الفصل الرابع عشر

الوداع
ولدي حبيبي

."سأناديك بولدي كما فعلت مريم عليها السلام عندما سألت ربها عز في علاهكيف يكون لي ولد ولم يمسسني بشر
أعرف أن الفراق صعب. أعرف أنك ستشتاق. أعرف أن نار الفقد ستكوي قلبك، ستشعر بها تستعر فيه كلما أخذتك الحياة فخبت. عندما رُفع سيدنا عيسى عليه السلام إلى السماء، هل شعرت مريم عليها السلام بحرقة الفراق؟ أم أن الاطمئنان كان يملأ قلبها؟ هل توفاها الله قبل أن يرفع النبي عيسى عليه السلام؟ لا أدري، هل يعرف أحد؟ لا أدري أيضًا

ولدي، ستبكيني أيامًا ثم ستجف مقلتيك الجميلتين. وسأبقى بعد ذلك طيف في ذاكرتك. ماذا ستتذكر مني؟ هل ستذكر عندما كنت أناديك وأقول لك: ”تعال اقعد في قلبي؟ ستذكر ذلك بالتأكيد. هل ستفعله مع أولادك؟ أتمنى ذلك. أتمنى أن . تبقى هذه الجملة في عائلتي وبين ذريتي. فنلقى بعضنا جميعًا في الجنة وأناديكم كلكم بها. هل ستذكر عندما كنت أطهو لكم؟ حتما ستذكر طعامي المحروق. ستقول أمي التي كانت دائما تحرق الطعام

حبيب قلب أمك، وروحها، وعينها، وحياتها أعرف أن مواراتي في التراب كانت عملية صعبة، أن تراني مكفنة بالبياض، مضفر شعري الذي طالما رأيته على جميع أحواله، أن يكشفوا لك وجهي لتراه للمرة الأخيرة، لتسلم على وجنتي الباردة التي طالما قبلتها. سأفتقدك يا حبيبي وأنا من غير روح فكيف بك وروحك الحبيبة في جسدك؟

لماذا أكتب لك هذه الرسالة؟ لأن الموت سيأتي فجأة، أو سأمرض ويأتي على مراحل، لا أدري. ولكن الذي أعرفه أنه حتمًا سيأتي وعادة لن يعطينا فرصة للوداع. لن أستطيع أن أودعك بالكيفية التي أريدها. سيأخذني الموت ولن يعطينا مساحة من الوقت. لذلك سأودعك هنا. كي تكون هذه الرسالة ملاذك عندما تشعر أن الحياة أصبحت قاسية، عندما تشعر أنك تحتاج إلى حنان أم، عندما تشعر أنك تفتقدني 

أحبك، أحب كل تفاصيلك وأحبك حتى عندما تغضب وتشعر أنك لا تريد أن تتعامل معي. عندما يحدث ذلك، عندما تشعر أنني لا أفهمك، عندما تشعر أنني فعلت ما لم يعجبك، أو أنني تساهلت فيما كان يجب علي أن أكون صارمة تجاهه كنت أفهمك، كنت معجبة بقوة شخصيتك، كنت أحب استقلاليتك. صحيح أن صدك كان يجرحني لأني أحبك ولكنك لا تزل أن تعود. أعرف دائما أنك ستعود. وإذا طال غيابك كنت آتي إليك وأقول لكتعال اقعد في قلبيوكنت دائما تأتي 
أتمنى أن تجد قلبا يحبك كقلبي. حتما ستجد. وعندما تجد ذلك القلب احتويه وضعه في قلبك. لا تهنه ولا تحزنه. فهي ستضعك في قلبها كما كنت أفعل 

مساء الخير-
أفزعتني! هل تعرف ذلك؟-
أنا آسف-
ولا يهمك، مساء النور-
الساعة ٦ حضرتك، مش هتروّحي؟-
أف! ولا حسيت بالساعة. يلا حالا-
إنتِ بخير؟ إنت كنت بتعيطي؟-
لا بس يمكن دي العدسات مضايقاني-
محتاجة مني حاجة؟-
لا روح إنت يا حامد. أشوفك بكرة-
بإذن الله. نظرتِك مش عاجباني-
طيب متبصش أوي-
إنت عارفة كويس إني مقدرش-
ماشي يا حامد. أنا بخير، شكرا لسؤالك..حامد-
نعم-
والدتك متوفية، صح؟-
الله يرحمها ويحسن إليها-
آمين، اتوفّت وإنت صغيّر، صح؟-
 مش بحب أتكلم في الموضوع دا-
عارفة، بس اِتأكد إن كان نفسها تودعك-
 السلام عليكم…-
مع السلامة يا حامد-