Thursday, April 7, 2016

الفصل التاسع

قمري


بعد اجتماع طويل مع حامد امتد حوالي الثلاث ساعات، شرح لي فيه عن قوائم الشهر الماضي وحلل ما يجب تحليله وتنبأ بما يتحتم عليه أن يتنبأ به ونصح بما رأى أن على الشركة أن تقوم به، نظر إلي نظرة طويلة ثم قال لي “ألم يلن قلبك بعد؟” نظرت إليه مشفقة على قلبه المسكين وأنهيت الحوار والإجتماع بنفس الجملة ونفس الجواب لذاك السؤال الذي لا يفتر عن سؤاله “لا، يا حامد، ولن يلين .”

رجعت إلى البيت ورأسي يكاد ينفجر من الصداع. لا أحب أن آخذ المسكنات، سيذهب الصداع في حاله، علي فقط أن أتجاهله. بعد أن دخلت مباشرة رجع الأولاد من المدرسة وبعدهم بقليل وصل زوجي. جلسنا في الصالة كي نتبادل الأخبار وليحكي كل واحد عن يومه. بدأ الأولاد بالشكوى اليومية من المدرسين والمدرسات. في بعض الأحيان أشعر أن الحق مع المعلم ولكن في أحيان أخرى أستغرب من تصرفات المدرسين. لا أدري هل السبب في أولادنا، في الإدارة، في تربية المعلم، أم ضغوطات العمل؟ أيًّا كان السبب، هناك تصرفات تصدر من المعلمين غير مقبولة على جميع الأصعدة! أتمنى أن أخرج أولادي من هذه المدارس التي بزعمهم تنمي تفكيرهم وقدراتهم التحليلية وأرجعهم ثلاثون عامًا إلى الوراء كي أدخلهم مدارسنا التي لم تكن تخلو أيضًا من ضغوط المعلمين النفسية على الطلاب. ما العمل إذن؟ نرسلهم الأزهر وندخلهم الكتاب؟؟ آخ يا رأسي..

بعد أن خلد الجميع للنوم أحسست أنني أحتاج أن أذهب إلى مخدعي. دخلت غرفة ملابسي، أدخلت الرقم السري، ثم تمددت على كرسيي الذي تحول فورًا إلى سرير هلامي احتضن كل جزء من جسدي. أقفلت عيناي ثم فتحتهما لأرى القمر يطل علي من السقف الزجاجي. ما أجمله! أتشعر بي، أتريد أن تطمئن علي؟ طالما شعرت أن هناك ما يربطني بالقمر، هو فعلا صديق عزيز..ربي وربك الله يا قمري الحبيب..كم أحب تلك الجملة. ثم جاءني كتاب يمشي على استحياء، نظرت إلى غلافه “ذكريات تطاردني” لا لا آسفة لا أشعر أنني أريد أن أقرأ عن ذكريات وماضي ومطاردات. ثم جاء آخر “تعال أعيشك”، ثم آخر “لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة”، “هيبتا”، “مادونا صاحبة معطف الفرو”..ما الأمر يا كتبي؟ عادة تستشفين ما أريد قراءته ولكن يبدو أنني نفسي لا أعرف ما الذي أريده. ثم ظهر لي كتاب “شوق درويش” ولم يقف حائرًا بل بدأ بالقراءة..ما أجمل استخدام الكاتب للكلمات..(نعم، سيتعلم الحرية..)، (احتضنها بعينيه وأغمضهما عليها..)، (لقد حدد لمهمته وقتًا مدته الأبد..). ثم كيف وصف اشمئزاز رجلًا سوداني من جسد إمرأة بجلدها الأبيض الذي تعلوه حمرة وكيف أنه كان يشم له رائحة صدئة. كان وصفه غريب لم أسمع مثله قط. الحب، الحرب، الحرية، السجن، الفقد، القتل، الغربة، العنصرية كل هذه المعاني تطرق إليها الكاتب..ولكني لم أستطع أن أكمل الكتاب. أشرت بيدي أن ذلك يكفي فنزل الكتاب وهبط على مكتبي. آسفة يا كتابي العزيز ولكني اليوم أريد شيئًا آخر. قمت وتوجهت إلى المخرج، أدخلت رقم الخروج وتوجهت كالشخص المنوم الذي تحركه قوى خفية إلى دولاب ملابس نومي..
هل لي أن أجلس معك؟
بالطبع، تفضلي
(دخلت وجلست بجانب ذلك الرجل الغريب الذي يقبع بين ملابسي)
فترة من الصمت..
هل يمكن أن أطلب منك طلب؟
لا داعي للإستئذان، اطلبي ما تشائين
هل يمكن أن تحكي لي قصة؟
بالطبع يمكن.

No comments:

Post a Comment